صديق الحسيني القنوجي البخاري
89
فتح البيان في مقاصد القرآن
ومن المعلوم أن هذا إنما يكون في أول الأولاد لا في آخرها ، فلما حصل هذا المقصود مع الولد الأول لم يحتج إلى مثله مع الولد الآخر ، فإنه لو زاحمت محبة الولد الآخر الخلة لأمر بذبحه ، فلو كان المأمور بذبحه هو الولد الآخر لكان قد أقره في الأول على مزاحمة الخلة به مدة طويلة ، ثم أمره بما يزيل المزاحم بعد ذلك وهو خلاف مقتضى الحكمة فليتأمل . التاسع : أن إبراهيم إنما رزق إسحاق على الكبر ، وإسماعيل رزقه في عنفوان شبابه ، والعادة أن القلب أعلق بالأول . العاشر : أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يفتخر بأنه ابن الذبيحين يعني أباه عبد اللّه وجده إسماعيل ، والمقصود أن هذه اللفظة مما زاده في التوراة انتهى ملخصا . قال الخفاجي : في العناية في تفسير الفاتحة وأما الإنجيل ففيه تبديل وتحريف في بعض ألفاظه ومعانيه وهو مختلف النسخ ، والأناجيل أربعة كما فصله بعضهم في كتاب عقده لذلك سماه المفيد في التوحيد انتهى . وَيَقُولُونَ سَمِعْنا قولك وَعَصَيْنا أمرك وَاسْمَعْ حال كونك غَيْرَ مُسْمَعٍ كلاما أصلا بصمم أو موت وهو يحتمل أن يكون دعاء على النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ، والمعنى اسمع لا سمعت أو غير مسمع كلاما ترضاه . ويحتمل أن يكون المعنى اسمع منا غير مسمع جوابا كانوا يخاطبون به النبي صلى اللّه عليه وسلم استهزاء به مظهرين له إرادة المعنى الأخير ، وهم مضمرون في أنفسهم المعنى الأول ، وقال ابن عباس : غير مقبول . وقد تقدم الكلام في وَراعِنا أي يريدون بذلك نسبته إلى الرعونة وقيل معناه أرعنا سمعك ، ومثل ذلك لا يخاطب به الأنبياء ، وهي كلمة سب بلغتهم . ومعنى لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ أنهم يلوونها عن الحق أي يميلونها إلى ما في قلوبهم ، وأصل الليّ أي فتلا بها وصرفا للكلام عن نهجه إلى نسبة السب حيث وضعوا غَيْرَ مُسْمَعٍ موضع لا سمعت مكروها ، وأجروا راعنا المشابهة لراعنا مجرى انظرنا أو فتلا بها وضما لما يظهرونه من الدعاء والتوقير إلى ما يضمرونه من السب والتحقير . وَطَعْناً أي قدحا فِي الدِّينِ بقولهم لو كان نبيا لعلم أنا نسبه ، فاطلع اللّه سبحانه نبيه صلى اللّه عليه وسلم على ذلك وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا قولك وَأَطَعْنا أمرك وَاسْمَعْ ما نقول وَانْظُرْنا أي أفهمنا لا تعجل علينا أي لو قالوا هذا مكان قولهم سمعنا وعصينا وراعنا بلسان المقال أو الحال لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مما قالوه وَأَقْوَمَ أي أعدل وأولى من قولهم الأول وهو قولهم سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا لما في هذا من المخالفة وسوء الأدب واحتمال الذم في راعنا .